recent
أخبار ساخنة

المرونة النفسية "resilience"

مرونة المواجهة والتوافق resilience،

ويعرف الصمود بأنه "عملية التوافق الجيد والمواجهة الإيجابية لشدائد، صدمات، مآسي، تهديدات، أو الضغوط ومصادر الكرب والمشقة التي يواجهها البشر مثل: المشكلات الأسرية، مشكلات العلاقات مع الآخرين، المشكلات الصحية الخطيرة، ضغوط العمل، والمشكلات المالية، كما يقصد بالصمود النفسي كذلك القدرة على التعافي من التأثيرات السلبية لهذه الشدائد أو الصدمات والمآسي والأحداث الضاغطة والقدرة على تخطيها أوتجاوزها بشكل إيجابي ومواصلة الحياة بفاعلية واقتدار " (American Psychological Association, 2005, 2014).
ويجدر الإشارة إلى أنّ تنمية الصمود كقدرة على مواجهة شدائد الحياة والتوافق الإيجابي معها وسرعة تجاوز تأثيراتها السلبية بعدًا مركزيًا فيما يعرف "مدخل الصحة الكلي Whole Health approach"، ويمكن أن يتم تنمية وتعزيز الصمود النفسي بطرائق عديد.

ويمكن أن يستند في ذلك إلى ما يعرف اصطلاحًا بنموذج دائرة الصحة. Circle of Health Model ، ويتضح منه أن الصمود النفسي ينشأ من التفاعل بعد عدد من العوامل:

1- أن يكون لدى الشخص تصورًا واضحًا تمامًا عن ما يريده وما هو له قيمة له على المستوى الشخصي والمهني.
2- تنمية الاستبصار والبصيرة الشخصية والمهنية عبر ما يعرف بالوعي المفعم باليقظة والتنبه والامتلاء بالانفتاح العقلي Mindful Awareness.
3- رعاية الذات والرعاية النشطة والاستباقية للذات Proactive Self-Care.
4- تلقي المساندة من الآخرين على المستوى المحلي والتنظيمي أي على المستوى المهني وعلى المستوى المجتمعي.
وفيما يلي تناول تفصيلي لهذه العوامل:

• الوعي بالذات وترتيب الأولويات


كأحد عوامل تنمية الصمود:
ويجسد هذا الأمر ضرورة أن يكون لدى الشخص تصورًا واضحًا تمامًا عن ما يريده وما هو له قيمة له على المستوى الشخصي والمهني. ورغم أن بإمكان كل شخص إيجاد الطرائق الفريدة لتحسين قدرته على الصمود، يوجد عدد من الأساليب والطرائق الأساسية والإرشادات العامة التي تصلح لكل إنسان وتتمثل في محددين أساسيين هما (Shanafelt, 2005):

1- التدبر في القيم الشخصية وتحديد نسق القيم الشخصية في الحياة.

2- اكتشاف معنى العمل والاعتقاد في قيمته وأهميته.

وينظر إلى هذين العاملين على أنهما يمثلا معًا ما يعرف "بوصفة الوقاية من الاحتراق في بيئة العمل". فقد خلصت دراسة (Shanafelt, 2009; Dewa CS, Loong D, Bonato, Thanh & Jacobs, 2014) إلى أن "مخاطر الوقوع في الاحتراق تقل بصورة جوهرية لدى الكلينيكيين الذين يقضون على الأقل (20%) من وقتهم في التركيز على ما هو مهم وجدير بالاهتمام في عملهم.
وأشار (Gazelle, Liebschutz & Riess, 2015) إلى أن قدرة العامل على اكتشاف معنى عمله ومعرفة قيمته وأهميته، فضلاً عن معرفة قيمه الشخصية في العمل والحياة محددًا أساسيًا من محددات تنمية الحيوية الشخصية والمهنية.
من جانب آخر يعد عامل "الاستقلالية أو الذاتية التلقائية autonomy" من العوامل الجوهرية في تنمية الصمود النفسي، فقد كشفت نتائج دراسة (Fischer & Boer, 2011) والتي تكونت عينتها من (420,000) مشارك من (36) دولة أن "الفردية individualism" ترتبط بطيب الحياة أو الهناء في الحياة well-being مقارنة بالثروة. بما يعني أن امتلاك الشخص القدرة على السيطرة على ما يحدث وضبطه والتأثير فيه في بيئة العمل قيمة مهمة جدًا لغالبية الناس أكثر من المال.
وعادة ما يشعر الكلينيكيون بحسن الحال أو الهناء عندما يتمكنون من تنظيم وضبط ساعات العمل، تحديد مدة زيارة المريض، وتحديد عدد المرضى المتوقع التعامل معهم يوميًا. وطبيعي أن يشعر الكلينيكي بالفخر بذاته وبالتالي تزايد فرص ازدهاره إذا قر في يقينه أن صوته مقدر ومؤثر في التغيرات على المستوى التنظيمي (Shanafelt, Oreskovich & Dyrbye, 2012).
ويأتي عامل التوازن بين "العمل وجوانب أو مجالات الحياة الأخرى" ليمثل قيمة مضافة تحدد علاقة العمل بطيب الحياة أو الهناء في الحياة لدى العاملين في مهن المساعدة (Shanafelt, Sloan & Habermann, 2003; Coster & Schwebel, 1997) .
ومن المهم في سياق تنمية الصمود النفسي في بيئة العمل تعيين أو الكشف عن مظاهر التناقض أو الصراع بين "القيم المهنية"، و "القيم الشخصية"، وترتيبها من حيث الأهمية، من جانب آخر من المهم وضع حدود سوية بين العمل ومجالات الحياة الأخرى.

• علاقة الوعي القائم على اليقظة بالصمود النفسي في بيئة العمل

يعطي مصطلح MINDFUL AWARENESS دلالات متطابقة مع دلالات مصطلح "اليقظة العقلية" Mindfulness والذي وصفها جون كابات ـ زين (أول من وضع منهجًا لما يعرف بصيغة اختزال الكرب القائم على اليقظة العقلية Mindfulness-Based Stress Reduction (MBSR)" كصيغة علاجية لمن يعانون من الكروب والمشاق النفسية) بأنها "مدخل في الحياة يرتكز على فهم أن الحاضر أو اللحظة الحاضرة هنا والآن هو الوقت الوحيد الذي يجب أن: نعيش فيه، نعرف فيه، ندرك فيه، نتعلم منه، نتصرف فيه، نتغير خلاله، ونتعافى في إطاره" (Kabat-Zinn, 1990).
واليقظة العقلية ما هي إذن إلا فن ممارسة تنمية القدرة على:
  • - الانتباه العمدي الآني لخبراتنا الداخلية والخارجية من لحظة بلحظة بطريقة قائمة على الشغف والانفتاح


  • دون نقد أو تقييم.
  • - الارتباط أو التعلق الودي الواعي بالحياة بطريقة تسمح بتوجيه الانتباه نحو اللحظة الراهنة واستثمار عطاء الواقع الحاضر المنظور والمصادر والعتاد النفسي الشخصي وفقًا لمتلازمة: البصيرة والحدس intuition، الاستبصار insight، الإبداع creativity، الشفاء أو التعافي healing.

وعلى ذلك فإن "الامتلاء العقلي الواعي MINDFUL AWARENESS"

كتعبير عن حالة امتلاء عقل الشخص بما يدور حوله تجسيد لما يعرف قدرة الشخص على ملاحظة وإدراك الأفكار والمشاعر كأحداث في العقل دون توحد معها ودون تعامل معها بنمط رد الفعل الاعتيادي أو الآلي، ويعكس هذا الوعي ما يعرف ب "المساحة بين إدراكات الشخص للوقائع والأحداث داخلية أو خارجية واستجاباته لها"، وعلى ذلك فإن "الامتلاء العقلي بالوعي" يعني "استجابة الشخص لمواقف وأحداث ووقائع الحياة بتدبر وتعقل وبابتعاد عن ما يعرف بالتجاوبية القائمة على رد الفعل الفوري والمباشر والذي يرتكز على العادات أو الانعكاسات الشرطية conditioned habits or reflexes.
ويعبر هذا التصور عن دلالات مقولة فيكتور فرانكل Victor Frankl والتي مفادها "ما بين المثير والاستجابة توجد مسافة أو مساحة، تنتظم فيها قوتنا أو قدرتنا على اختيار الاستجابة، ويكمن في هذه الاستجابة تطورنا وارتقاؤنا وحريتنا".
ومع تدريب الشخص على "الوعي القائم على اليقظة العقلية" يتمكن من تحويل علاقاته بنفسه وبخبرات الحياة بطريقة تسمح له بمزيد من: الرحابة والأريحية والاتساع spaciousness، التقبل acceptance ، والشفقة compassion، ومع فعل هذا الأمر تتحسن جودة حياته بصورة معتبرة.
ويمكن من خلال تنمية "الوعي القائم على اليقظة العقلية" تنمية وتعزيز "طيب الحياة أو الهناء في الحياة" لدى العاملين في مهن المساعدة بطرائق عديدة وهذا ما خلصت إليه نتائج دراسات عديدة في المجال (Lomas, Medina, Ivtzan, Rupprecht & Eiroa-Orosa, 2018).
فقد كشفت نتائج دراسة (Gilmartin, Goyal, Hamati, Mann, Saint & Chopra, 2017) والتي راجعت تقارير (14) دراسة تضمنت (833) كلينيكيًا أن (9) من هذه الدراسات أظهرت وجود تحسنًا جوهريًا دالاً وتغيرات إيجابية بعد تلقيهم تدخلاً نفسيًا يستهدف تحسين اليقظة العقلية، فقد لوحظ انخفاض في كل أعراض الاحتراق النفسي، ومؤشرات لزيادة الصمود، وانخفاض ملامح المشقة والقلق.
وأجرى كارزنير وآخرون (2009) دراسة قيموا فيها تأثير مقرر "التواصل القائم على الوعي" بعد تطبيقه على (70) من أطباء الرعاية الأولية في روتشستر بنيويورك والذي طبق على بأسلوب التدخل المكثف لمدة ثمانية أسابيع، مع مرحلة متابعة وتعزيز لمدة عشرة شهور، ولم يظهر المشاركون تحسنًا جوهريًا دالاً في درجات اليقظة العقلية فقط، بل حدث لديهم انخفاضًا جوهريًا في كل ملامح ومؤشرات الاحتراق النفسي أيضًا (Krasner, etal, 2009).

• ما دور رعاية الذات والاهتمام بها في تحقيق الصمود

عادة ما يستند إلى ما يعرف ب "نموذج الصحة الكلي The Whole Health Model" في وصف وتحديد دور رعاية الذات والاهتمام بها في تحقيق طيب الحياة أو الهناء في الحياة، كونه يمكن الشخص من رسم "خطة الصحة الشخصية Personal Health Plan (PHP).
ومن الدراسات الأساسية في هذا المجال دراسة شانافيلت وزملاؤه (2012) والتي تكونت عينتها من (7,200) جراحًا، والتي خلصت إلى أن وجود مستوى منخفض جدًا من ملامح الاحتراق النفسي لدى الجراحين الذين قدموا إجابات إيجابية عن عدد من الأسئلة التي طرحت عليهم وكانت الإجابات تدور حول ما يلي (Shanafelt, etal., 2012):
  1. 1- استطعت اكتشاف معنى عملي.
  2. 2- أحرص على أن لا يطغي وقت عملي على علاقاتي بزوجتي/زوجي، أسرتي، وأصدقائي.
  3. 3- أركز على كل ما له قيمة قصوى في حياتي.
  4. 4- أحاول أن أنظر إلى الأشياء


  5. من منظور مشرق وإيجابي.
  6. 5- أحرص على أخذ أجازات للراحة والترفيه عن الذات.
  7. 6- أشترك في الأنشطة الترفيهية والهوايات والتدريبات الرياضية.
  8. 7- أتحدث مع أسرتي، وأصدقائي، والأشخاص المهمين في حياتي وأعبر لها عن مشاعري وانفعالات.
  9. 8- لدى رؤية وفلسفة في التعامل مع معاناة الناس وحالات الوفاة.
  10. 9- أطبق فلسفة في الحياة قائمة على تحقيق التوازن بين حياتي الشخصية وحياتي المهنية.
  11. 10- أتطلع للتقاعد.
  12. 11- أناقش الجوانب المزعجة والمثير للمشقة في عملي مع زملائي.
  13. 12- أهتم بالجوانب الدينية والروحية في حياتي.
  14. 13- أشترك في أنشطة غير مرتبطة برعاية المرضى مثل: البحوث، التعليم، والإدارة.
  15. 14- أمارس التأمل وأنشطة اليقظة العقلية.
  16. 15- أهتم بالكتابة التأملية وأحرص على تدوين ملاحظاتي وما أشعر به وما يدور في ذهني من أفكار.
  17. 16- أحرص على الاجتماعات المنتظمة مع المعالجين النفسين/الأطباء النفسيين لمناقشة ضغوط العمل ومظاهر المشقة.
  18. ويوجد رؤى أخرى تفيد بأنه يمكن وقاية الجراجين وعلاجهم من الاحتراق النفسي إذا مكناهم من الاهتمام بعلاقاتهم الاجتماعية المتبادلة مع الآخرين،

والمشاركة في إجراء البحوث في فرق عمل، والاستمرار في التعلم والتنمية المهنية المستدامة، و ممارسة التدريبات الروحية (Balch & Shanafelt, 2010).
من جانب آخر يوجد عديد من برامج التدخل التي تنمي الصمود النفسي لدى العاملين من خلال: التدريب المعرفي ـ السلوكي، الإرشاد النفسي، التدريب على مهارات التواصل، المساندة الاجتماعية، تدريبات الاسترخاء، العلاج بالموسيقى، وغير ذلك من المداخل العلاجية التي تخفض مظاهر أو مستويات الاستنزاف والإجهاد الانفعالي (Awa, Plaumann & Walter, 2020)، وقد يكون للمتخصصين فيما يعرف بالتدريب على الصحة Health Coach دورًا مفيدًا في تنمية الصمود ومنع أو الوقاية من الاحتراق النفسي (Gazelle, Liebschutz & Riess, 2015).

 * سلسلة الاحتراق والصمود النفسي لدى العاملين في مهن المساعدة: الأسئلة الأكثر تكرارًا: رؤية آدم جي ريندفلايش .Adfam Rindfleisch سنة (2014، 2017). العدد (3) يتبع ب العدد (4) وتناول تفصيلي لعناصر الموضوع:

=================================================
سابعًا- كيف يمكن الوقاية من الاحتراق النفسي أو عكس مسارها؟
الاحتراق النفسي هو الجانب الرمادي أو ما يعرف بظل "الصمود النفسي"
• للمزيد راجع:
========
Rindfleisch, A. (2017). Burnout and Resilience: Frequently Asked Questions: https://wholehealth.wisc.edu/tools/burnout-resilience/#